عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
78
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
عن اللّه ، وقدم رضا نفسه تعالى على رضا العبد فقال : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] وذلك لأنه تعالى كل ما كان من أعمال البدن قدم فيه العبد كقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] وكل ما كان من أعمال القلب قدم فيه نفسه تعالى كقوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ثم إن الرضا لما كان من أعمال القلب قدم فيه نفسه تعالى ، ولهذا اختلف العراقيون والخراسانيون في الرضا ، هل هو من الأحوال ، أو من المقامات ؟ فأهل خراسان قالوا : هو من جملة المقامات ؟ وهو نهاية التوكل ومعناه يؤول إلى أنه مما يتوصل إليه العبد باكتسابه . وأما العراقيون فإنهم قالوا : الرضا من جملة الأحوال ، وليس ذلك كسبا بل هو نازلة بالقلب كسائر الأحوال . قلت : فإذا نظرنا إلى رضا اللّه عن العبد فهو من الأحوال ، وإذا نظرنا إلى رضا العبد عن اللّه فهو من المقامات ، وإن كان من نتائج رضا اللّه في الأصل ولكن للعبد فيه اكتساب بطريق المجاهدة وكسر النفس وتبديل أخلاقها حتى تبدل السخط بالرضا والشك باليقين . قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ذاق طعم الإيمان من رضى باللّه ربا » « 1 » وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه تعالى بحكمته جعل الروح والفرج في الرضا واليقين ، وجعل الغل والحسد في الشك والسخط » « 2 » فقد صرح أن الرضا هو مكتسب للعبد . وقال الجنيد : الرضا هو صحة العلم المتواصل إلى القلوب ، فإذا باشر القلب حقق العلم أداءه إلى الرضا وليس الرضا والمحبة كالخوف والرجاء فإنهما حالان لا يفارقان العبد في الدنيا والآخرة . فقد جاء في حديث رباني : « من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليطلب ربا سواي » « 3 » فلو لم يكن الرضا من المكاسب لم يعاقب العبد بتركه ولما أمر النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بإتيانه بقوله : « ارض بما قسم اللّه لك تكن أغنى الناس » « 4 » وقد أورد الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته فقال : اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به
--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 3 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 9 / 651 ) نسخة تصوير بيروت . ( 4 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب الزهد ، باب الصحة والفراع . . . ، حديث رقم ( 2305 ) . طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ، ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 8115 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .